الشيخ محمد رشيد رضا

218

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) فليس معنى « يَأْتِ بِهَا اللَّهُ » انه يحملها ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة لأن من يأتي بالشئ لا بد أن يكون عالما به . والمعنى أن الاتيان بالشئ الذي يغله الغال هو عبارة - أو قال كناية - عن انكشافه وظهوره ، أي إن كل غلول وخيانة خفية يعلمه اللّه تعالى مهما خفى ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشئ لذلك الشئ على حد قوله تعالى ( 99 : 7 فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ 8 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) . أقول : ولما كان الجزاء يترتب على علم اللّه بالاعمال وإعلامه العاملين بها يوم الحساب قال بعد ما مر ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي ثم إنه بعد أن يأتي الغال بما غل ، كما يأتي كل عامل بما عمل ، فيتمثل لديه ، كأنه حاضر بين يديه ، ينظر اليه بعينيه ، ( 3 : 30 يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ) ومثقال الذرة من الخير والشر مرئيا مبصرا ، بعد هذا تنال جزاء ما كسبت مستوفى تاما لا تنقص منه شيئا ( 18 : 49 وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ! ! وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ثم رتب على ذكر الجزاء العام في آخر الآية قوله ( أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ) أي جعل ما يرضيه من فعل وترك اماما له فجد واجتهد في الخيرات والاعمال الصالحات ، واتقى الغلول وغيره من الفواحش والمنكرات ، حتى زكت نفسه ، وارتقت روحه ، فوفى جزاءه الحسن ، وكان عند ربه في جنات عدن ، ( كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ) أي انتهى إلى مباءته في الآخرة مصاحبا ومقترنا بغضب عظيم من اللّه عز وجل ، لتدسية نفسه بما خفى من الخطايا كالسرقة والغلول ، وتدنيسها بما ظهر منها كالسلب والنهب ، واهمال تطهيرها بالعبادات ، وعمل الخيرات ، ( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ذلك المأوى الذي يأوى اليه ، وساء ذلك المنتهى الذي ينتهى اليه ، كلا انهما لا يستويان كما لا تستوى الظلمة والنور ، ولا الظل